حسن الأمين
313
مستدركات أعيان الشيعة
المنشورة . ولعل سقوط ترجمة كشاجم من مخطوط ( بيتي ) للفهرست ، وثبوتها في المخطوط الذي اعتمده ( فلو غل ) ، ما يعزز قولنا . كذلك يعزز قولنا موقف الثعالبي من كشاجم في كتبه الكثيرة ، وإعجابه الشديد به ، واستحسان معانيه وأوصافه ولطائفه ، وكثرة استشهاده بشعره . ولم يستدرك ترجمته بعد الثعالبي أحد من المؤرخين القدماء ، وكتاب السير في أمهات كتبهم ، كتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ، ومعجم الأدباء لياقوت الحموي ، ووفيات الأعيان لابن خلكان ، وفوات الوفيات للكتبي ، والوافي بالوفيات للصفدي . ونرجح أن الترجمة قد سقطت في القرن الخامس أو السادس ، قبل معجمي الخطيب البغدادي وياقوت الحموي ، لذلك لم يضف كتاب القرن الخامس كثيرا إلى ما عرفناه من قبل . وظل الرواة يروون شعره ، ويذكرون لقبه ، ويعرفون ذلك اللقب بقولهم ، كما قال الحصري القيرواني في جواهره : « هو أبو الفتح محمود بن الحسين بن السندي » ، « الكاتب المعروف بكشاجم » . وفي القرن السابع ، حيث ألف ياقوت الحموي ، وابن خلكان معجميهما في سير المشاهير ، لم يدون له أحد سيرة ، ولم ينتبه أحد إلى إسقاط ترجمته من اليتيمة ، إنما حين أشار ياقوت في معجم الأدباء إلى كشاجم في سياق حديثه عن السري الرفاء ، نقل ما قاله الثعالبي في اليتيمة . أما في معجم البلدان فروى لكشاجم شعرا في حلب ، ومصر ، وفي بعض أديرة بلاد الشام والعراق ومصر . أما ابن خلكان فنقل كذلك رواية صاحب اليتيمة ، أو ياقوت الحموي ، في سياق حديثهما عن السري الرفاء ، كذلك نقل ابن خلكان في وفياته أخبار الصيد عن كشاجم في مصايده . بهذا راح المؤرخون يرددون ما قاله كل من صاحب اليتيمة ، أو صاحب معجم الأدباء أو صاحب الوفيات ، أو [ صحب ] صاحب شذرات الذهب منذ القرن الثامن الهجري حتى الحادي عشر الهجري . فالذهبي اكتفى في عبره بقوله أنه أحد فحول الشعراء ، وأن اسمه محمود بن الحسين ، كما أن الكتبي لم يستدرك في فواته على ما فات ابن خلكان في وفياته . أما ابن خلدون في تاريخه ، فقد قلب اسم كشاجم ، وجعله الحسين بن محمود المعروف بأبي الفتح كشاجم ، ولم يشر أحد إلى تصويبه . ولعل الجملة التي أطلقها الغزولي في القرن التاسع الهجري قد شغلت الباحثين ، والكتاب ، فتناقلها المؤرخون لسيف الدولة ، ولبلاطه ، واشتهرت عبر القرون ، وذاعت ، مما جعل الكثيرين يتوهمون أن كشاجم كان طباخ سيف الدولة ! قال الغزولي في بدوره ، أنه اجتمع لسيف الدولة « ما لم يجتمع لغيره من الملوك ، فكان خطيبه ابن نباتة الفارقي ، ومعلمه ابن خالويه ، ومطربة الفارابي ، وطباخه كشاجم ، وخزان كتبه الخالديان ، والصنوبري ، ومداحه المتنبي والسلامي ، والوأواء الدمشقي ، والببغاء ، والنامي ، وابن نباتة السعدي ، والصنوبري ، إلى غير ذلك » . أما السيوطي فهو أول من كنى كشاجم أبا نصر ، نقلا عن رواية التيفاشي في هديله . ولعل التيفاشي توهم ذلك ، فالمعروف عن كنية كشاجم أنها أبو الفتح ، وأن كنية جده الأكبر ، وجده ، وابنه ، أبو نصر ، مما جعل بعض الباحثين المحدثين يقفون في حيرة ، ويشيرون إلى غير كنية لكشاجم ، أما الصواب فكان لكشاجم كنية واحدة ، وهي أبو الفتح . والسيوطي كذلك أول من نسب كشاجم إلى محمد ، وجعله والده ، نقلا عن رواية التيفاشي ، فقال : كشاجم هو محمود بن محمد بن الحسين بن السندي بن شاهك ، يكنى أبا نصر ، أو لعل التيفاشي أشار إلى كنية السندي بن شاهك ، فنقله السيوطي ، ووضع لفظه « يكنى » ، ولم نطلع على سجع الهديل ، لعدم وجوده ، مرجحين أنه لا يزال مخطوطا . أما حاجي خليفة في كشفه ، فذكر لكشاجم مؤلفاته مكررا كنيته ، واسمه ، ولقبه كالآتي : « هو أبو الفتح ، محمود بن الحسين المعروف بكشاجم » . ولعل ابن العماد شاء أن يروي ما قاله جميع الرواة في سيرة كشاجم ، دون حسم أي خبر أو رواية . ولعله أول من أشار إلى كنية أخرى له وهي أبو الحسين ، فأضافها إلى أبي الفتح المعروفة ، إنما بقي اسمه محمود بن الحسين بن السندي ، أحد فحول الشعراء . وفي حديثه عن السري الرفاء نقل ، كغيره ، ما قاله الثعالبي في يتيمته ، أو ياقوت الحموي في معجمه ، أو ابن خلكان في وفياته ، بان السري كان مغرى بنسخ ديوان كشاجم الشاعر المشهور ، ريحان الأدب بتلك البلاد . وأول من كناه أبا الفتوح ( بالجمع ) ، هو محمد بن الحسن الحر العاملي في أمله ، ولعله تكريم لتشيع الشاعر كشاجم ! ولم ينقله عنه فيما بعد سوى مصدر شيعي آخر هو السيد حسن الصدر في تأسيسه . ولم نستطع أن نعرف عن كشاجم من المصادر التي أطلعنا عليها ، التاريخية ، منها ، والموسوعية ، والمعجمية ، والأدبية ، من القرن الرابع الهجري حتى الثاني عشر الهجري ، سوى ما حسمنا حوله الخلاف في اسمه ، وهو محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك ، وأن كنيته هي أبو الفتح ، وأن لقبه العلم هو كشاجم ، بالإضافة إلى ما عرفناه في الفصل السابق بان شاهك هو ابن زادان بن شهريار الرازي الفارسي الساساني . ومن المفيد أن نضيف إلى ذلك ما قاله فيه بعض المؤرخين والرواة ، مشيرين إلى الذين سبقوا غيرهم بما قالوه ، فالمسعودي ، في مروجه أشار إلى أن كشاجم كان « من أهل العلم والرواية والمعرفة والأدب » ، وأن الخليفة المستكفي ( 333 ه - 334 ه ) ، كان يستحسن وصف كشاجم للماكولات والمطبوخات ، فيطرب ، ويأمر بإحضار كل ما وصف له ! أما أبو بكر الخوارزمي فكان يروي شعر كشاجم ويقول : « أنا أحفظ في هجاء المغنين ما يقارب ألف بيت ، وليس فيه أبلغ وأوجز وأطرب من قول أبي الفتح كشاجم » ! كما كان يعتبر « لطائف كشاجم » من المواضيع الأساسية لكل من يرغب في أن يتخرج في الشعر . أما الثعالبي فاعتبر كشاجم من مولدي شعراء أهل الشام ، ومن الشعراء الذين أصبح لهم مذهب في شعرهم يقتدى ، وعلوم تحتذى ، وهو الكاتب ، والشاعر ، والمنجم ، وكان « ريحان أهل الأدب بتلك البلاد » . .